عرض كتاب
"ويلات العولمة على الدين واللغة والثقافة*"
عرض: مسلم أبو عمر
يأتي عرض هذا الكتاب في وقت أضحى الخيار الرأسمالي الأمريكي فيه موضع شك واتهام، فكثير من الباحثين يؤكدون سقوط هذا النظام حتى في عقر داره، وما الأزمة المالية العالمية الأخيرة إلا واحدة من أعراض تداعي هذا النظام. وفي هذا السياق نعرض كتاباً مهماً يمكن اعتباره مرجعا مختصرا لأهم الأفكار المتداولة في موضوع خطر العولمة ألا وهو كتاب "ويلات العولمة على الدين واللغة والثقافة".
يستعرض الأستاذ الدكتور أسعد السحمراني في صفحات هذا الكتاب بضعة أفكار قيمة، تشرح مدى خطورة العولمة على ثقافة الأمة وكل ما يتصل بمنجزاتها الفكرية وخصائصها التاريخية من دين ولغة ونظم حياة. والدكتور أسعد السحمراني هو أستاذ العقائد والأديان في جامعة الإمام الأوزاعي في بيروت، وهو باحث لبناني متمكن تشهد له مؤلفاته الفكرية بالإحاطة العلمية بكل ما يتصل بموضوع العولمة من أفكار. وقد صدر للدكتور السحمراني، بالإضافة لهذا الكتاب، عشرات الكتب منها "صراع الأمم بين العولمة والديمقراطية"، و "من اليهودية إلى الصهيونية".
ويتوزع الكتاب على ثلاثة فصول، أولها يتحدث عن ظلم العولمة ويعنون له المؤلف بعنوان مثير هو "العولمة ظلم وثرثرة". ويتبع ذلك فصل ثان عنوانه "الحوار الديني وتحديات العولمة". وأخيرا يتعرض المؤلف لآثار العولمة على اللغة العربية في الفصل الأخير "اللغة العربية والهوية الثقافية في عصر العولمة".
يتحدث المؤلف في الفصل الأول عن مدى الإرهاب الفكري الذي تسعى العولمة إلى نشره في العالم عبر نظريات ضيقة الأفق مثل "صدام الحضارات" و"نهاية التاريخ" وغيرها. والعولمة بالنسبة للمؤلف لا تعدو كونها اسما آخر للأمركة، لهذا نجد المؤلف يكرر إضافة كلمة الأمركة بعد كل ذكر لكلمة العولمة على مدى هذا الفصل. ويرى المؤلف أن العولمة الليبرالية التي جاءت كبديل عن فلسفة ديكتاتورية البروليتاريا، ليست إلا ديكتاتورية جديدة، هي ديكتاتورية السوق العالمية، وسيكون الفشل حليفها كما كان حليف سابقتها.
وفي الفصل الثاني يتحدث المؤلف عن آثار العولمة السلبية على الدين ومعاداتها له. فالعولمة تسعى للتنصل من كل ما في الأديان من قيم ومعان سامية تخدم الجماعة والمجتمع، بل إنها تسعى إلى تحويل المرء إلى عبد ذليل همه الأوحد خدمة شهواته المادية وإشباع لذاته بشتى الوسائل. وهنا، يقول المؤلف، يأتي دور أتباع الأديان السماوية حيث أن الواجب المنوط بهم يمثل أمل الأمة في التصدي للعولمة. ولعل أنجع وسائل للتصدي للعولمة الثقافية هو الحوار المفتوح بين أتباع الأديان السماوية، وهو الحوار المبني على القواسم المشتركة واحترام الآخر. ويؤكد المؤلف هنا أن الحوار مفتوح للمسلمين والنصارى لكثرة مواطن القرب بينهم، أما اليهود فقد غدو أتباع منهج صهيوني معتد لا يحترم الآخر، فمن باب أولى أن لا يكونوا جزءا من أي حوار حتى يعيدوا الحقوق إلى أهلها. ويضيف المؤلف أن الباب مفتوح أيضا للحوار مع أبناء شرق وجنوب آسيا رغم الاختلاف العقائدي الواسع بيننا وبينهم. فالصينيون واليابانيون وغيرهم من الشعوب الشرقية مهددون بمحو هويتهم الدينية والثقافية عبر قوى العولمة الأمريكية، وكثيرون منهم متفقون معنا حول خطر العولمة على العالم أجمع. لذا فإنّ كل اتفاق بيننا وبينهم هو محاولة بناءة في سبيل تحدي الهيمنة الأمريكية وايقاف مد عولمتها الليبرالية.
ويتحدث المؤلف في الفصل الأخير عن أثر اللغة في حفظ الثقافة ونشرها وكيف كانت اللغة العربية رائدة في نشر الحضارة العربية الإسلامية ورسوخها في بقاع شتى من العالم. فاللغة العربية هي لغة ثلاثمئة مليون عربي ولغة العبادة لأكثر من مليار مسلم، وها هي قد أصبحت مهددة من أصحاب الأفق الضيق من دعاة صدام الحضارات ومبشري نهاية التاريخ. وهنا يعقد المؤلف مقارنة بين العولمة بمفهومها الأمريكي وبين العالمية بمفهومها الإسلامي، حيث يتجلى لدى القارئ كيف استطاعت العالمية الإسلامية نشر الإسلام مع حفظ الحقوق للشعوب المستقبلة للإسلام. فعلى الرغم من انصهار شعوب عديدة في الإسلام واللغة العربية، إلا أن مواريثها الثقافية بقيت ولا تزال تحظى بالاحترام من أبناء الإسلام. أما العولمة الأمريكية فهي طمس للهوية ومحق للشخصية.
وأخيرا، فعلى الرغم من قلة صفحات هذا الكتاب إلا أنه يمثل مجموعة قيمة من أوراق العمل التي تمثل نواقيس خطر يدقها المؤلف لإيقاظ الأمة لتحفظ شخصيتها وتبني مستقبلها فوق ما لها من حضارة وتاريخ.
----------------------
*المؤلف: د. أسعد السحمراني ، دار النفائس
No comments:
Post a Comment