عرض: مسلم أبو عمر
يعرض الدكتور عماد الدين خليل في كتابه "أمريكا مرة أخرى" خواطر وتحليلات كان قد كتبها إبان الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 وما بعده. والأستاذ الدكتور عماد الدين خليل مفكر ومؤرخ وأديب عراقي من مواليد الموصل عام 1941م، له عشرات الكتب والمصنفات في التاريخ والأدب والفلسفة والفكر، درس ودرّس في العديد من الجامعات العربية والإسلامية وأشرف على إصدار عدة موسوعات تاريخية، كما وشارك في وضع مناهج التاريخ في عدد من الجاتمعات العالمية. ويمتاز أسلوب الدكتور بروعه البيان اللغوي مع الحفاظ على الحقائق والأرقام واضحة دون لبس أو تغيير.
وكتاب " أمريكا مرة أخرى" هو مجموعة مقالات وخواطر كتبها الدكتور خليل أثناء فترة الغزو الأمريكي للعراق. وقد قام الدكتور بجمع هذه المقالات في كتابه هذا وكتب المقدمة في العام 2005 إلا ان الأقدار شاءت أن يتأخر إصدار الكتاب حتى هذا العام 2010. ويضم الكتاب 43 مقالا يدور حديث جلها عن أهداف النظام الأمريكي من عدوانه على العراق، وعن الدور الصهيوني الآثم في ذلك العدوان. والكتاب صادر عن دار ابن كثير للطباعة والنشر والتوزيع عام 2010م.
ويستهل الدكتور خليل كتابه بمقال بعنوان "أمريكا والعراق، ما جرى وما سيجري" يكشف فيه الأهداف الحقيقية للعدوان الأمريكي على العراق. فيجمل الأهداف في أربعة، أولها وأوضحها الاستيلاء على النفط العراقي. وثانيها تفكيك العراق، عبر تدمير الإنسان العراقي بكل السبل المتاحة، مع التركيز على العلماء والمثقفين حتى تضلّ الأجيال القادمة طريقها نحو النهضة. وثالث الأهداف هو تغيير الهوية الإسلامية للعراق عبر التحكم في الأنظمة التعليمية وتغيير مناهج التدريس. ثم من الأهداف أيضا تصفية القضية الفلسطينية عبر تدمير الجيش العراقي وإجبار الحكومة المستقبلية على الاعتراف باسرائيل وغيرها من الخطط والأساليب. وآخر هذه الأهداف هو فرض الإرادة والمصلحة والثقافة الأمريكية على العالم وتأكيد نظام القطب الأحادي ونشر العولمة على أوسع نطاق.
ثم يتنقل المؤلف في ثنايا الكتاب من موضوع لآخر في خواطر ومقالات متنوعة يجمعها الحرص على كشف خبايا الظلم الأمريكي وتحليل دوافعه ومسبباته. فيكتب مرة عن "الأمن القومي واختلاط الأوراق" ومرة عن "المسيحية اليهودية: هذا الدين الجديد" ومرة أخرى عن "النموذج الأمريكي" وفي هذه المقالات وغيرها يدعم أفكاره بشواهد من أقوال وأفعال الساسة الأمريكيين أنفسهم.
وفي فصل بعنوان "شيء عن العولمة" يتحدث الدكتور خليل عن أسباب النفوذ الذي تتمتع به الثقافة الأمريكية فيلخصها في ستة أسباب هي: هيمنة شركات الإعلام الأمريكية على التسويق العالمي، وتفوق الأمريكان في صناعة السينما والتلفاز، والقابلية التسويقية التي تتمتع بها المنتجات الثقافية الأمريكية المكونة من مزيج من الثقافات العالمية الوافدة، واهتمام الصناعة الثقافية الأمريكية بشريحة الشباب، واستيعاب الجامعات الأمريكية للنخب من شتى بلدان العالم، وأخيرا عامل التفرد الأمريكي على ساحة السياسة الدولية مما يجعلها نموذجا يحتذى لدى الكثيرين.
ويتحدث المؤلف في عدة فصول عن المحاولات الأمريكية لاختراق نظم التعليم العربية عبر شتى الوسائل، فيؤكد في فصل "مناهج التربية والتعليم: محاولات للاختراق" وفصل "إصلاح التعليم: البعد الحقيقي" وفصول أخرى، يؤكد وجود العديد من الخبراء الأمريكيين واليهود في مواقع حساسة تعنى بالإشراف على وضع المناهج التعليمية للدول العربية والإسلامية. ويدق الدكتور ناقوس الخطر محذرا من أن مثل هذه المحاولات قد تؤدي لخلق جيل ممسوخ الثقافة الإسلامية وقابل للتطبيع مع العدو الصهيوني إذا لم يفطن المسؤولون التربويون لهذا الخطر.
ويكشف المؤلف في فصلي "شيء عن أمريكا من الداخل" و" صدّق أو لا تصدّق" حقيقة التغلغل الصهيوني في الإدارة الأمريكية، وكيف أن اللوبي اليهودي قد نجح في ابتزاز القادة الأمريكان حتى أصبحوا يتسابقون لإرضاء إسرائيل. ويسخر الدكتور خليل في فصلي "كوميديا الحمائم والصقور 1-2" مما ينشره الإعلام عن انقسام الإدارة الأمريكية إلى صقور وحمائم في معالجتها لقضايا العالم الإسلامي، ويؤكد أن كلا الطرفين متفق على الانحياز لإسرائيل مهما كانت الظروف والأبعاد.
ويعرض الدكتور لما حصل في العراق إبان الإحتلال من تخريب للمؤسسات وتدمير للمعالم الحضارية في فصل عنوانه " مجزرة الثقافة". ويؤكد أن الأمريكان كانوا على علم بما سيتم للمتاحف والمكتبات والجامعات من نهب وتخريب، إلا أنهم بدل أن يمنعوا وقوع هذه الجرائم، ساهموا في حمايه الجناة المجرمين لإتمام خرابهم ذاك. ويذكّر المؤلف بالاحتلال المغولي القديم لبغداد عام 656 هـ وكيف أن الكتاب كان واحدا من ضحاياهم، ويعقد مقارنة بسيطة ومؤثرة بين ذاك الاحتلال والإحتلال الأمريكي الحالي.
ويسخر المؤلف في فصل بعنوان "شيء عن المبادئ الأمريكية" من ادعاءات بعض المسؤولين الأمريكان أنهم أصحاب مبادئ إنسانية وقيم راقية، فيذكر بجرائم سجني "أبو غريب" و"غوانتانامو"، و الدعم الأمريكي للعدو الصهيوني، وقبل ذلك كله مجزرتا هيروشيما وناغازاكي النوويتين.
ويخلص المؤلف في الفصل الأخير "3 ثغرات في إدارة الأزمات" إلى أن الهزائم والمصائب التى عانتها ولا زالت تعاني منها أمتنا يجب أن تحفزنا على تغيير هذا الواقع المرير. ويوصي بأن تكون هزيمة 1967 مثالا نعتبر منه، حيث كنا منذ ذلك الحين وحتى الآن أصحاب ردود فعل بحيث فقدنا روح المبادرة، ومن المعلوم أن المبادئ هو الرابح غالبا. ويوصي المؤلف أيضا بأن نتعلم من الرسول القائد عليه الصلاة والسلام وكيف أنه عليه السلام كان يرسم الخطط الدقيقة ويعد أفضل إعداد ثم يبادر ويبدأ الفعل.
ويدعو المؤلف أيضا إلى محاكاة الغرب في فن دراسة المستقبل بحيث نكون متأهبين لأي شيء من عوادي الدهر. وأخيرا يوصي بأن نعمل على نشر الوعي السياسي بين الناس بحيث يصبحون على مستوى يؤهلهم للتقدم والرقي ويعينهم على الخروج من المآزق والأزمات، وما أكثرها من أزمات.
لعل أسلوب الكتاب يختلف عن الأبحاث والمؤلفات الأكاديمية الكثيرة التي كتبت حول موضوع الغزو الأمريكي للعراق، إلا أن روح هذا الكتاب وأسلوبه اللغوي الراقي بالإضافة لحشد الحقائق والأرقام التي يثبتها مؤرخ ذو باع طويل في التاريخ، كل هذه العوامل تؤهل هذا الكتاب ليكون مرجعا أساسيا يؤرخ لمرحلة مهمة من عمر العراق، بل والعالم أجمع.
No comments:
Post a Comment