Thursday, December 10, 2009

افتتاحية أهلا : رسالة العيد


بقلم: مسلم أبو عمر

جميل هو ذلك المنظر، منظر تدفق الحجيج أسرابا متتابعة، فكأنها لوحة فنية رسمتها ريشة فنان مبدع. ولكن أي فنان يقدر على تكوين مثل هذه اللوحة! فهي لوحة بيضاء لكنّها ملونة، ساكنة لكنّها متحركة، هاتفة لكنّها مؤمنة. هي لوحة صنعتها أثواب الإحرام البيضاء وزادها تنوع أعراق الحجيج بريقا وتألقا. وهي لوحة ساكنة بوقار الحجيج ولكن يحركها تدفقهم في جموع متناسقة ويزيدها نبضا طوافهم حول الكعبة المشرفة في حلقات لا متناهية. وهي لوحة تهتف تكبيرا وتهليلا، وتنطق إيمانا وجمالا.

تتدافع جموع الحجيج في منظر إيماني رائع، لتوقظ من أنسته الغفلة معاني الإخوة الإسلامية فغرق في ظلمات بحر الفتنة، وسقط في فخ التعصب لفريق رياضي أو لآخر إبان مباراة مصر والجزائر الأخيرة في السودان، فنسي أن الأصل هو التنافس الشريف وأن الفائز هو ممثل العرب قاطبة في كأس العالم.

كان من المفترض أن يكون لقاء مصر والجزائر حفلاً اجتماعياً وشعبياً قبل أن يكون لقاءاً رياضيا. ولكن لسوء الحظ، أفلحت بعض الأقلام المسمومة وبعض فضائيات النفاق الإعلامي في تحريض الجماهير فانقلب الحفل الكروي حرباً خاسرة، كانت ضحيتها هي الوحدة الإسلامية.

وبعيدا عن ضوضاء تلك الملاعب، وهتافات التشجيع الكروي المضحة المبكية، يعود العيد المبارك ليرسم بسمة كادت تختفي ملامحها من وجوه بريئة ودّعت عيد الفطر لتوّها، وقلوبها ما زالت تنشد:

العيد جاء مكبرا ومهللا والقلب أشرق فرحة وتهللا

أجل لقد عاد العيد، ولكن عودته هذه المرة جاءت ونحن في أمسّ الحاجة إليه. عاد العيد هذه المرة ليوقظ روح الأخوة بعد غفوة حاول الشيطان أن يجعلها سباتا عميقا، ولكن إرادة الله حالت دون ذلك، فالحمد لله رب العالمين. لقد جاء عيد الحج ليجمع المصري والجزائري والسوداني إخواناً في كنف البيت الحرام، فكان الجمع مباركا بفضل الله، وتذكرت النفوس المؤمنة حرمة أخوتها وحرمة دماء المسلمين أن تسفك من أجل مباراة كروية أو حتى كأس ذهبية.

عاد العيد مرة أخرى، ليذكي معنى التضحية في قلوبنا، فعيد الأضحى هو يومٌ افتدى الله جلّ وعلا فيه نبيّه إسماعيل بذبح عظيم، حين استجاب أبونا إبراهيم وابنه إسماعيل، عليهما الصلاة والسلام، لأمر الحقّ جلّ وعلا، فأين نحن من تلك الاستجابة؟ أين استجابتنا لقوله: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا). هل أعطينا هذا الأمر حقه ورعيناه حق الرعاية؟ أم أن الشيطان قد أعمى بصائرنا؟ نعوذ بالله من كيد الشيطان.

لقد أفلح إبراهيم عليه السلام حين أقبل على الله مضحّيا، فهلا اقتبسنا من أنوار ابراهيم الخليل لعلنا نحوز الفلاح! وهلا اتبعنا هديه وتعلمنا من تضحيته! أمتنا تحاك لها المكائد، وتعصف بها الأهوال. ففي يوم النحر نقف متأملين لحال أمتنا، فنرى الأبرياء يذبحون دون وجه حق، ففي العراق والصومال وأفغانستان أوضاع كارثية، وفي فلسطين جزّار صهيونيّ ينتهك الحرمات ويهوّد أرض الرسالات، وهنا وهناك صرخات اليتامى والضحايا، وما من مجيب!

هنا أعزائنا القراء الكرام تتجلى رسالة العيد ، فعيد الأضحى المبارك، جاء ليوقظ معنى الوحدة الإسلامية وليذكي معنى التضحية بالنفس والمال والوقت في سبيل الله. ولعلّ المتابع يرى أن رسالة عيد الحج قد آتت بعض أكلها فعادت الألفة والوحدة، ولو جزئيا، بين أبناء هذه الأمة، ولكن رسالة الأضحى تهيب بنا جميعا أن تكون منا التضحية لقضايا أمتنا فيكون العيد عيدان، والفرحة أفراحا كثيرة.

وفي الختام، تتقدم أسرة أهلا بأسمى آيات التهنئة والتبريكات للقراء الكرام بحلول عيد الأضحى المبارك، راجية الله عزّ وجلّ أن يعيده علينا وقد حققت أمتنا آمالها من تحرر وتقدم ورفعة، وكل عام وأنتم بألف خير.


No comments:

Post a Comment