
تقرير: مسلم أبو عمر - صحيفة أهلا
كوالالمبور: اختتمت في كوالالمبور يوم السبت 31 أكتوبر الجلسة الأخيرة من المحاكمة الدولية لمجرمي الحروب الأميركية على أفغانستان والعراق. ويأتي انعقاد المحاكمة التي استمرت لمدة يومين على هامش المؤتمر الدولي لتجريم الحروب الذي استمر من 28 إلى 31 أكتوبر وتخللته فعاليات عدة كان أبرزها؛ معرض جرائم الحرب الأمريكية في العراق بالإضافة لكلمات من ساسة ونشطاء بارزين في مجال حقوق الانسان.
ويأتي المؤتمر الذي نظمته منظمة بردانا للسلام العالمي ومؤسسة كوالا لمبور لتجريم الحروب اللتان يرأسهما تون د. محاضير محمد، رئيس الوزراء الماليزي السابق ، يأتي المؤتمر ثمرة لجهود سنوات عدة مضت قامت خلالها المؤسستان بتنظيم عدة مؤتمرات مماثلة. وتأتي المحاكمة الدولية الأخيرة لجرائم الحرب كتتويج لهذه الجهود حيث استمعت لجنة مكونة من مجموعة من الشخصيات الدولية والماليزية المعتبرة لشهادات سبعة من ضحايا الحروب الأمريكية على أفغانستان والعراق.
وترأس لجنة الاستماع لشهادات الضحايا نقيب المحامين الماليزيين زينور زكريا. وضمت اللجنة إلى جانبه البروفيسور هانز كريستوف فون سبونيك المساعد السابق للأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في العراق، و دينيس هاليداي المدير السابق لبرنامج الأمم المتحدة الإنساني في العراق، والمحامي والقاضي الماليزي السابق موسى اسماعيل، وأستاذي القانون غورديال نيجار ومحمد أكرم شاير محمد، بالإضافة للدكتورة زليخة اسماعيل من مؤسسة بردانا.
وشهد اليوم الأول للمحكمة جلسة أدلى فيها سبعة من ضحايا الحروب الأمريكية بشهاداتهم أمام اللجنة. وتوزعت الشهادات على فترتين فضمت مجموعة الضحايا الأولى ثلاثة من سجناء غوانتنامو سيء الصيت؛ أبرزهم مصور قناة الجزيرة السوداني سامي الحاج والناشط البريطاني في مجال حقوق الأسرى والمعتقلين معظم بيغ. بينما ضمت المجموعة الثانية ضحايا الغزو الأمريكي للعراق.
واستعرض سامي الحاج، 40 عاما، رحلة العذاب التي تعرض لها خلال ستة سنوات ونصف قضاها في السجون الأمريكية وبدأت عند اعتقاله في باكستان حيث تم تسليمه بعدها للجيش الأمريكي الذي نقله إلى سجن باغرام ثم أخيرا إلى غوانتانامو. وقال الحاج أن الوضع في باغرام كان سيئا للغاية حيث كان البرد قارصا للغاية وكان الطعام قليلا جدا ولم يكن يسمح للمعتقل أن يستخدم المرحاض إلا ثلاثة مرات في اليوم. ويضيف أن المرحاض لم يكن كما قد يتهيأ للشخص العادي ولكنه كان ساحة مفتوحة يضطر المعتقل لقضاء حاجته فيها أمام الجميع.
وعند سؤال لجنة الاستماع لشهادات الضحايا للحاج عن طبيعة الأساليب التي استخدمت معه أو رأها في غوانتانامو أجاب بأن التعذيب الجسدي والنفسي كانا حاضرين، ولكن التعذيب النفسي كان أشد وطأة وقسوة على المعتقلين. حيث كان الجنود الأمريكان يمزقون المصاحف أمامهم، ويستهزؤون بهم أثناء الصلاة، ويلفون علم "إسرائيل" على المعتقلين، وأحيانا يقف المحقق على المصحف الشريف ويرفض النزول حتى يعترف المعتقل. وأكد بأن كثيرا من المعتقلين فقدوا أعينهم أو أطرافهم جراء التعذيب وجراء التجارب البيولوجية التي كان يجريها أطباء المعتقل على المعتقلين.
أما الشاهد الآخر معظّم بيغ، 41 عاما، فقد استعرض عدة أساليب من التعذيب الذي تعرض له في غوانتانامو حيث مثل بمعاونة بعض الشهود الآخرين أساليب اقتياد و تقييد المعتلين وغيرها من الاجراءات القمعية التي تعرضوا لها. واتهم بيغ المخابرات البريطانية بالضلوع في جريمة تعذيبه واتهم حكومته بالصمت على تعذيبه وزملائه.
يذكر أن معظم بريطاني الجنسية وهو أحد تسعة معتقليين بريطانيين مسلمين قضوا عدة سنوات في سجن غوانتنامو. ويترأس بيغ الآن منظمة ترعى حقوق المعتقلين والمعذبين وقد ألف كتابا يعرض معاناته واخوانه في غوانتانامو بعنوان "عدو محارب". ويشير العنوان إلى التهمة التي كانت توجهها القوات الأمريكية لكل من اعتقل في أفغانستان وغوانتنامو، حتى الذين أطلق سراحهم لاحقا بدون أي محاكمة.
وذكر شاهد آخر هو راؤول أحمد، 27 عاما، وهو بريطاني الجنسية أيضا ، أنه رأى في غوانتانامو معتقلين أطفالا لم يتجاوز أحدهم التاسعة من عمره. وذكر أن هؤلاء الأطفال كانوا يتعرضون لنفس المضايقات وأساليب التعذيب التي تعرض لها الكبار.
أما المجموعة الثانية من الشهود فقد ضمت أربعة من ضحايا العدوان الأمريكي على العراق. واشتملت شهاداتهم على معاناة شاب وامرأة كبيرة السن ثم شهادة أستاذة جامعية تمحورت حول طبيعة محتويات الأسلحة الخطرة التي استخدمت في العدوان على العراق. وكانت الشهادة الأخيرة من مهندس عراقي عن الدمار الذي حاق بمدينة الفلوجة التي تصدت للاجتياح الأمريكي إبان ملحمة الفلوجة البطولية.
ففي شهادتها تحدثت السيدة جميلة عباس، 54 عاما، عن معاناتها في سجن أبي غريب حيث قضت فيه أكثر من ستة أشهر قاست فيها الأمرين. تقول السيدة عباس: ( اقتحمت القوات الأمريكية بيتي في يناير من العام 2004 واقتادتني مع ابني وابنتي وضيفة كانت عندنا إلى المعتقل بعد أن دمرت جميع محتويات البيت. ومباشرة بعد الاعتقال استمرت جلسات التحقيق المتواصلة، فتم استجوابي حول علاقتي بالمقاومة وغيرها فأنكرت أي صلة لي بالمقاومة ولكن ذلك لم يرق للمحقق فقام بضربي وأرسلني إلى زنزانة صغيرة حيث تمت تعريتي إلا من لباسي الداخلي وعند اغلاق الزنزانة قاموا بإلقاء الثلج والماء البارد على أرضية الزنزانة ليزيدوا من آلامي).
وأضافت السيدة عباس: ( واستمر الحال على ذلك المنوال لأيام عديدة، حيث كنت أهاجم من قبل كلاب بوليسية كانت تنهش لحمي ثم تتم إعادتي للزنزانة. وأثناء إحدى جلسات التحقيق تم ضربي بكرسي بلاستيكي فتكسر الكرسي وبقيت قطعة منه عالقة في رجلي. وبعد عدة أيام من التألم الشديد سمحوا لي بإجراء عملية جراحية في رجلي لإزالة القطعة البلاستيكية. إلا أنهم ولسوء الحظ أجروا تلك العملية بدون أي بنج أو تخدير. وحتى الآن فما زلت أعاني من آثار تلك الإصابة).
وحين سؤالها عما تتعرض له باقي الأسيرات، أكدت السيدة جميلة أن قوات الاحتلال كانت تنكر وجود أطفال أو أسيرات لديها في السجن إلى أن قامت وسائل الإعلام بإجراء زيارة للسجن حيث بدأت المعتقلات بالصراخ والعويل مما أدى لافتضاح الادعاءات الأمريكية وانكشاف كذبها أمام وسائل الإعلام. وذكرت السيدة عباس أن كثيرا من الأسيرات قد تعرضن للاغتصاب مما دفع بعضهن للانتحار فورالخروج من السجن.
أما الدكتورة سعاد العزاوي فقد تحدثت عن المضاعفات التي نتجت عن استخدام قوات الاحتلال لليورانيوم المنضب في عدوانها على المدن العراقية. وشرحت الدكتورة بعض الآثار الناجمة عن استخدام المواد المشعة في الحرب. يذكر أن تقارير طبية ظهرت مؤخرا تؤكد ارتفاع نسبة الإصابة بالسرطان والتشوهات الخلقية لدى المواليد العراقيين بشكل غير مسبوق وخطير.
واختتم المهندس عباس عبيد شهادات الضحايا بالحديث عن الدمار الذي تعرضت له مدينة الفلوجة أثناء الحرب الأمريكية الشاملة عليها عام 2004، حيث ذكر أن أكثر من 60 % من مساجد المدينة ومرافقها الأخرى دمرت بشكل كامل ومتعمد جراء القصف الأمريكي الذي لم ينجو منه حجر أو شجر أو بشر.
وفي اليوم التالي للمحكمة عرضت لجنة الاستماع للشهادات نتائج الجلسة الأولى على هيئة القضاة المكونة من سبعة متخصصين يرأسهم داتؤ عبد القادر سليمان، القاضي السابق في المحكمة الاتحادية في ماليزيا. وقدم عريضة الاتهام، باسم الضحايا، المحامي الماليزي الشهير ماثياس تشانغ. وحوت العريضة ستة اتهامات لكل من بوش وبلير ورئيس وزراء استراليا السابق هوارد. وتنوعت الاتهامات بين خداع شعوبهم وبرلماناتهم وخداع الأمم المتحدة وجرائم ضد السلام وخوض حملة منظمة لتدمير العراق وأفغانستان اقتصاديا وعسكريا، بالإضافة لسماحهم باستخدام أسلحة دمار شامل وأسلحة محرمة دوليا لاستهداف مواقع يتواجد فيها مدنيون.
ومن المقرر أن تصدر المحكمة قرارها بعد شهرين من موعد انعقادها. وسيتم تسليم نسخة من القضية لمحكمة الجرائم الدولية ومحاكم جرائم الحروب الشبيهة بالإضافة للجمعيات غير الحكومية المعنية بهذا الشأن حول العالم.
قد يقول البعض أن مثل هذه المحكمة لا تعدو كونها نفخةً في رماد أو صيحةً في واد. ولكن ما لا يستطيع انكاره أحد، أن مثل هذه المحكمة التي رعاها تون د. مهاتير محمد؛ هي خطوة مهمة في طريق الألف ميل. وكما يقول المثل الماليزي: قليلا قليلا، ووقتا طويلا، تجمع جبلا..
No comments:
Post a Comment