عام 2009: وقائع و أحداث
تقرير: مسلم أبو عمر - صحيفة أهلا
شهد العام المنصرم 2009 العديد من الوقائع والأحداث ذات الأثر العميق على مجرى التاريخ الإنساني. ومع أن هذه الأحداث لم تختلف عن كثيرٍ من سابقاتها في الأعوام الماضية، إلا أن بعضها قد كان له أثر من المستبعد أن يتوقف عند حدود هذا العام. فلم تكن حروب العام 2009 كغيرها من الحروب، ولم تكن الأزمات المالية العالمية في هذا العام مثل أزمات أخرى في أعوام سالفة.
فبالنظر إلى أحداث العام الماضي نرى عدة تغيرات على أصعدة عدة، فعلى صعيد السياسة المحلية في ماليزيا، شهدت البلاد تغييرا مركزيا في الحكومة والحزب الحاكم. ولم يكد النصف الأول من العام ينقضي حتى أصبح في بوتراجايا قيادة جديدة متمثلة في تان سري نجيب عبد الرزاق. ومن المعلوم أن سلفه عبد الله بدوي قد ألقى على عاتقه مسؤولية عظمى وورثه تركة ثقيلة، فهل ستفلح السياسات الجديدة في النهوض بالبلاد وتحقيق رؤاها الكبرى؟ هذا ما ستفتي فيه الأيام.
أما على صعيد السياسة الدولية، فقد استقبل العالم هذا العام بالألعاب النارية المتلألأة، بينما كان نصيب الأرض المحتلة من هذه النيران مختلفا. فقد استقبل الفلسطينيون في غزة المحاصرة عام 2009 بصواريخ حقيقية وفسفور أبيض حارق فانقلب العام الجديد جراحاً داميةً ونزيفاً لم يتوقف، فكانت الحرب الجائرة على غزة عنواناً لهذا العام، حيث سقط في أقلّ من شهر أكثر من 1500 شهيد وآلاف الجرحى. وبعد هذه الحرب استمر الحصار الظالم ليسجل تاريخ البشرية الحديث فصلاً جديداً من فصول الإرهاب الصهيوني. ولكن رغم تلك الجراح الكثيرة، فقد لمع إبان الحرب بريق أمل عندما وقفت شعوب الأرض كلها يداً واحدة ترفض العدوان، فكان ذاك الأمل بنصر المستضعفين خيرَ مواساةٍ لأهل غزة المحاصرين.
وشهد عام 2009 أيضاً مهزلةً دوليةً غير مسبوقةٍ تمثلت بفوز الرئيس الأمريكي باراك أوباما بجائزة نوبل للسلام في الربع الأخير من هذا العام. فنال الرجل تلك الجائزة المرموقة دون أن يكون له أي رصيد يذكر من الإنجازات السياسية على الساحة الدولية أو حتى المحلية، بل نالها وهو لا يزال يصارع أزمة مالية كادت تأتي على الأخضر واليابس، مما جعل العالم أجمع يشكك بنزاهة اللجنة القائمة على هذه الجائزة. فمنذ متى كانت الوعود إنجازاً يحوز المرء عليه الجوائز؟ لعلّها علامةٌ أخرى من علامات انقلاب الموازين واختلال المقاييس في عالم السياسة!
وعلى جانب آخر من العالم، اندلع تمرد عسكري شمالي اليمن، وتفجر حراك شعبي جنوبه، وأصبحت الحكومة حائرة بين هؤلاء وهؤلاء، ولعلّ أطرافاً خارجية كانت وراء بعض تلك الفوضى، ومما لا شك فيه أنّ الأزمة لم تنته بعد، وليس من المتوقع انتهائها على المدى القريب!
ولم تكن السياسة وحدها ميدان تسجيل وقائع هذا العام في صحف التاريخ، بل كان للمرض دوره أيضا، فمرض انفلونزا الخنازير كاد ينتشر في العالم انتشار النار في الهشيم لولا رحمة الله بعباده. وسجل العام 2009 انجازاً للبشرية في مجال مكافحة المرض حيث أفلحت السياسات الصحية في كثير من الدول في الحد من انتشار هذا المرض الكارثي، ولم يكن ذلك إلا بفضلٍ من الله ورحمة، ثمّ بجهود مضنية من العلماء والباحثين والمنفذين المتابعين لهذا المرض في كل مكان.
ومن نوادر هذا العام أنّ حكومة إحدى الدول الإسلامية منعت حجيجها من الذهاب إلى المملكة العربية لأداء فريضة الحج هذا العام خشيةً من إصابتهم "بانفلونزا الخنازير" فكان أن أصيب رئيس ذلك البلد بالمرض وهو ساكن في عقر داره، فسبحان الله العظيم!
أما على صعيد البيئة والمناخ فقد استطاعت الدول الكبرى أن تسكت الدول النامية وتحدّ من استغاثاتها عبر القليل من الفتات. فلم يخل العام من بضعة مؤتمرات خطابية هنا وهناك، لم تسمن ولم تغنِ من جوع، ويستمر العالم في مضيه نحو مستقبل مجهول!
ولا نغفل ونحن بصدد تدوين وقائع العام المنصرم أن نعرج قليلا على الأزمة المالية العالمية، التي أحيت في الأذهان قوله تعالى: (يمحق الله الربا ويربي الصدقات). فقد شهد العالم كله كيف محقت المليارات في ثوانٍ معدودات ليزداد المؤمنون إيماناً بقرآنهم وإيماناً بفشل الرأسمالية الربوية رغم كل ما يحاك من دعاية وبروباغاندا لها. فعلى الرغم من محاولات الأنظمة الغربية أن تخفي سوءة الرأسمالية، إلا أن ترسانتهم الإعلامية الزائفة أخفقت في إخفاء عوار هذا النظام المتصدع. والسؤال المهم هنا ليس : "لماذا أخفق هذا النظام؟" فجوابه عند الجميع معروف. ولكن السؤال هو: "هل من نظام إسلامي بديل؟".
ومع أن العام 2009 قد شهد كثيراً من الوقائع والأحداث الغريبة على مدى أشهره الإثني عشر، إلا أنّ أكثرها غرابةً لم يكن حدثاً سياسياً ولا أزمةً اقتصاديةً ولا كارثةً بيئية، بل كان لقاءاً كروياً بين بلدين شقيقين! فلقد تابع العالم أجمع أزمة انحدار العلاقة بين بلدين عربيين شقيقين من أجل مباراةٍ في كرة القدم. مباراةُ أشمتت فينا الأعداء، وأضحكت علينا الجهلاء، وكل هذا البلاء من مباراة في كرة القدم. حقاً لقد صدق من قال: شر البلية ما يضحك! فكأن العرب قد نجحوا في حلّ جميع مشكلاتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية ولم يبق إلا الكرة ليقيموا الدنيا من أجلها، وليتهم أقعدوها من بعد قيام!
ومع وداعنا لهذا العام، لا ننسى أن العرب قد احتفلوا بالقدس عاصمةً للثقافة العربية للعام 2009، فماذا كانت ثمرة احتنفالاتهم هذه؟ هل توقفت الجهود الصهيونية الحثيثة عن تهويد المسجد الأقصى؟ وهل نقصت أعداد المستوطنات في هذا العام؟ للأسف لقد استمر التهويد وزادت المستوطنات، ولكن الأمل بحال أفضل لم ينقطع. لعل العام القادم يكون خيراً من سابقه، وما ذلك على الله بعزيز.
No comments:
Post a Comment