Wednesday, January 13, 2010

افتتاحية أهلا 74: ولتنظر نفس ما قدمت لغد


Add Image

ولتنظر نفس ما قدمت لغد

بقلم: مسلم أبو عمر

لعل من بديع حكمة الله تعالى في خلقه أنْ توافق قدوم العام الميلادي الجديد مع قدوم عامٍ هجري جديد خلال أقل من أسبوع. والمتأمل في هذا التقارب بين رأسي السنتين الهجرية والميلادية لا بد سيدرك أنّ وراء هذا التوافق الزمني من الحكمة الكثير. ولعلّ أبرز معالم تلك الحكمة هو أنّ الله سبحانه وتعالى، وهو الذي خلق الشمس والقمر والنهار والليل، مضطلّع على أيامنا كلّها، فليس لأحد مهربٌ من حساب الله. وهنا يتجلى جمال هذا التوافق الزمني، فرأس السنة فرصة لا تعدلها فرصة، فهي فرصة للغافل أن يستيقظ وللمتكاسل أن ينشط، ومثل هذه الفرصة لا يحسن استغلالها غير شخص مثابر يحاسب نفسه على ما قدمت يداه.

فليس من المعقول أن تنال الاحتفالات برأس السنة، الهجرية أو الميلادية، الحظ الأوفر من تفكيرنا ومشاعرنا، وتشغل حيزا واسعا من أوقاتنا بينما نحن سادرون في غفلتنا لا نراجع أنفسنا على ما أسلفنا من أعمال على مدار سنة خلت. فليس من عمل أفضل، في مثل هذا الوقت من العام، من محاسبة يقيمها المرء لنفسه، فيراجع دفاتر حساباته ويعيد النظر ويرجع البصر فيما قدم من عمل أو أسلف من قول. ولسنا الأوائل في ذلك، فلقد وضع هذا الميزان القويم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قال: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا. وما هذا القول إلا فهم عميق نابعٌ من قوله تعالى: (ولتنظر نفسٌ ما قدمتْ لغد). إذن هو حساب النفس لعلّها تتعظ من أخطاء الأمس، وهو نظرُ في صوابٍ تحقق من قبل ليتواصل من بعد، وهو نِعْمَ العمل لمن كان له في المستقبل أمل.

ولئن كان استقبال عام جديد مدعاةً لنا لنواصل مسيرة الاستخلاف الرباني على هذه الأرض، فإنه مما لا شك فيه أن مراجعة النفس ومحاسبتها على مشارف العام الجديد هي السبيل الأمثل لتصحيح هذه المسيرة بعد أن كدنا نضل الطريق. وبنظرة سريعة إلى مجرى الأحداث على مدار عام مضى، نجد حالنا على غير ما ينبغي أن يكون، فلسنا الرواد كما كان أجدادنا من قبل، وليست شعوبنا ودولنا في طليعة الركب الإنساني كما كانت منذ حين. فهل العيب في هذا الزمان؟ أم أن العيب فينا؟

ولئن كان أحد الشعراء قد تغنّى سابقا أنْ:

نعيب زماننا والعيب فينا وما لزماننا عيب سوانا

ونهجو ذا الزمان بغير ذنب ولو نطق الزمان لنا هجانا

فإنّ غناءً من هذا الضرب لن يغير حالنا وقد لا يفيد، إنما باستطاعتنا التغيير عندما ندرك وبحقٍّ رسالتنا في الحياة؛ رسالتنا كأمة ورسالتنا كجماعات ثمّ رسالتنا كأفراد. حينئذ فقط، سيكون حسابنا لأنفسنا ذا معنى، ويكون تقييمنا لعامنا ذا نفع وفائدة. أما إن استمرت الأمة غارقة في العبثية تلهو متناسية رسالتها، فعندها قولوا: على الدنيا السلام! وكل عام وأنتم بألف خير!

No comments:

Post a Comment