Thursday, May 26, 2011

عرض كتاب "كفاحي" لهتلر


عرض كتاب "كفاحي" لهتلر
مسلم أبو عمر
استفزني ما قرأت قبل أسابيع، في كتاب رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو "مكان تحت الشمس"، من أفكار ورؤى مريضة، ليس لها من أساس سوى الكذب والتضليل وتحريف التاريخ. وقلت في نفسي، أيعقل أن يوجد  بشر يفكرون بمثل هذا المنطق المنحرف؟ وهل بعد هذا الانحطاط العنصري انحطاط؟ ولم تطل حيرتي كثيرا فقد قيض الله لي أن اطلعت مؤخرا على كتاب يفوق ما كتب نتنياهو عجرفة وتطرفا، ألا وهو كتاب "كفاحي" لأدولف هتلر.
والكتاب هو طبعة جديدة منقحة لما كتب هتلر، يدّعي ناشرها سلامة نسخته هذه من مقص الرقيب وأقلام المحرّفين، صدرت عن دار بيسان للنشر والتوزيع عام 2009. ويرى القارئ بين دفتي الكتاب صفحات سوداء من تاريخ البشرية، تغلّب فيها منطق القوة على قوة المنطق، واستبد فيها الشعور القومي العنصري على مشاعر الأخوة الإنسانية. فالكاتب، أدولف هتلر، وهو أشهر من أن يعرّف، يقدم للقارئين خلاصة فكره وفكر حزبه العنصري. فلا يتورع عن تسمية مشروعه بالعنصري، فالدولة العنصرية بنظره هي أسمى أشكال الدول، والحضارة العنصرية هي الحضارة. ولكن عنصرية هتلر هذه لا تمتد لتشمل العناصر البشرية الأخرى. فالعنصر الآري هو أصل الحضارة وهو مستحق المجد وحده، أما سواه فهم عالة على هذه الأرض، وبطن الأرض أولى بهم من ظاهرها.
هذه الأفكار المتطرفة وغيرها، دفعتني للتفكر في حكمة الخالق سبحانه، فمثل هذا القائد المتطرف قد ضرب مثالا لما يكون عليه الانسان عند تقديسه لعرقه القومي على حساب الأخوة الإنسانية.
وكتاب هتلر هذا يضم في ثناياه جولة في حياة هتلر وأفكاره، بدأها بالحديث عن طفولته وشبابه، ومضى أثنائها يتحدث عن اليهود ومشاعره تجاههم على مدى ثلاثة فصول. ولولا ما نرى من اليهود في فلسطين والعالم من إرهاب وعنصرية لجرنا تطرف هتلر للشفقة عليهم. وعلى كل حال، فالمطالع لصورة اليهودي في عقل هتلر يرى شيطانا ماكرا طماعا جشعا يبث السموم الخلقية والفكرية في أوساط البشرية. ولعل هذه الصورة تفسر ما ارتكبه هتلر ونظامه بحق يهود أوروبا من قتل وإهانة دفعت بهم لتسريع الهجرة إلى جنّة الله في أرضه فلسطين.
ويمضي هتلر بعدها في الفصول الرابع وحتى التاسع يتحدث عن الفكرة الشيوعية الماركسية وخباثتها، وكيف أنها لا تعدو أن تكون إحدى حبائل اليهودية العالمية التي نسجها اليهود للسيطرة على العالم.
أما في الفصول العاشر حتى الثالث عشر فيعرض هتلر نظريته في الأجناس، وكيف أن "العرق الآري هو أرقى الأعراق"، وكيف أن اختلاط العرق الآري بغيره من الأعراق "قاد إلى انحطاط الحضارة البشرية".
ويمضي هتلر بعدها في الفصول الرابع عشر حتى التاسع عشر يتحدث عن حزبه النازي، وكيف نهض به إلى القمة محطما كل ما اعترضه من صعوبات، خصوصا إرهاب الماركسيين ودسائس اليهود.
وينهي هتلر كتابه بعرض آرائه بالحركة النقابية في خمسة فصول، فيسفّه الديمقراطية والعمل البرلماني، ويمجّد القوة والبطش المادي، ويؤكد مرة بعد مرة أن تلك الوسائل لا تعدو أن تكون حيلا يستخدمها اليهود للسيطرة على العالم.        
إذن شاءت الأقدار أن تتاح لهتلر فرصة عرض أفكاره العنصرية المتطرفة في كتاب، وكان له أن توّج هذا العرض بجماجم الملايين من البشر، ركم بعضها على بعض ليثبت للعالم أن "ألمانيا فوق الجميع"، ولكن قضت المشيئة الإلهية أن ينتحر وتحترق جثته وينال لعنة الجميع.
وفي مشهد درامي "حزين" يختم ناشر الكتاب "كفاح هتلر" بقصة انتحاره، فيا لها من نهاية، ويا له من "كفاح"!!

Saturday, May 21, 2011

يقظة العرب وسقوط المزاعم

استيقظ العرب أخيرا من غفلتهم، فصنعوا ثورتهم، وصنعوا التاريخ بأيديهم بعد أن كان يصنع لهم في مراكز الدراسات الأمريكية ومطابخ صنع القرار الصهيونية. نهض العرب ونفضوا غبارا من الذل تراكم على رؤوسهم عبر أزمنة طويلة. استيقظ العرب ونهضوا وقالوا كلمتهم بعد كبت طويل.
"الشعب يريد إسقاط النظام"، صيحة وحدت الجموع في القاهرة وتونس، وصنعاء وطرابلس.. لم يأبه الهاتفون حينما أعلوا أصواتهم بشكل نظامهم السياسي، ولا أظنهم يأبهون بشكل النظام القادم، رئاسيا كان أم برلمانيا. كل همهم كان منصبا على اجتثاث شجرة النظام الخبيثة، نظام التبعية والاستبداد، والظلم والفساد، فالمهم الجوهر، أما الشكل، فكل أمر بعد الحرية يهون.
رأى العالم ورأينا، شبابا ثائرا يكذب الكثير من الدعاوى والمزاعم المعادية. فكم سمعنا زاعمين يزعمون أن "العرب ليسوا أهلا للديمقراطية"، أو أن "العرب قطيع من التابعين"، أو أن "العرب يغرقون في ظلام الجهل والفساد بينما "اسرائيل" منارة للديمقراطية والتقدم". مزاعم كانت ترددها أجهزة الإعلام الصهيونية (والمتصهينة) وتشن بها الحملات تلو الحملات. حتى أتى أمر الله فثارت الملايين من المحيط إلى الخليج.
نهض العرب فتداعت المزاعم، وتساقطت الفرية تلو الأخرى.
كثيرا ما سمعنا محللين غربيين يجزمون بأن العرب ليسوا مستعدين للديمقراطية أو أنهم غير مؤهلين لتطبيقها. وما أكثر الأمثلة التي كانت تستحضر لإثبات هذه الفرضية. فمن مستدل بوضع العراق بعد "فرض الديمقراطية" عليه (يقصدون بعد تدميره باسم الديمقراطية) ومن مستدل بمظاهر الفساد السياسي والاجتماعي والاقتصادي المستشرية في الدول العربية إلى مستشهد برضى طبقات كثيرة من الأمة بتلك الأحوال. كل تلك الأمثلة والمشاهد كانت تساق لإثبات أن العرب غير مؤهلين لنيل الديمقراطية (أو باختصار لا يستحقونها!).
وها هم ملايين الشباب الذين اعتصموا في "ميادين التحرير" يثبتون فشل هذه النظرية ويفضحون من كان خلفها من حكام ظلمة ونظام عالمي متآمر. فدماء التونسيين والمصريين التي سالت في سبيل الحرية، ودماء الليبيين واليمنيين التي ما زالت تسيل، تدحض كل تلك الدعاوى وتسقط الفلسفة العنصرية الاستكبارية التي قامت على أساسها مثل تلك المزاعم.
وهنا زعم آخر أجهضته ثورات العرب ونهضتهم، يتمثل في المثل الذي طال رواجه قديما أن "جوع كلبك يتبعك". وما أظن مثل هذا الحال كان ممكننا لولا الفلسفة التي انتهجها حكام الأمة الظلمة حينما ظنوا أن شعوبهم قطعان من الكلاب. لم تفلح "سياسة التجويع" في تغيير معدن الأمة الأصيل، فأثبتت تلك الشعوب أنها أمة أسود. ولعل تجويع الحكام لتلك الأسود ردحا من الزمن هو ما خلط الأمر على الحكام فظنوا أن شعوبهم أضحت كلابا. ولكن شعوبا تجري في شرايينها بقايا من روح العز بن عبد السلام (مصري) وأسد بن الفرات (تونسي) لا يمكن إلجامها وتقييدها وتجويعها أبد الدهر. فجاءت الساعة التي تزأر فيها الأسود العربية بحول الله وقدرته، فأبطلت السحر وردته على الساحر وعادت الأسود أسودا وفر من كان يسومها سوء العذاب.
ولعل زمرة حكامنا الظلمة لم يقرؤو التاريخ قط (لعلهم لا يجيدون القراءة أصلا) ولم يمروا على صيحة أحد الشعراء العرب قبل ألف عام:
نعاطي الملوك السلم ما قصدوا بنا              وليس علينا قتلهم بمحرم
ولربما مر عليه بن علي ومبارك متاخرين فآثروا النكوص على عقبيهما والنجاة بأرواحهما، بينما جهله صاحب "الكتاب الأخضر" فآثر الاستمرار حتى النهاية (القتل بلا شك).
وزعم آخر بددته نهضة العرب، هو أن "اسرائيل" واحة من الديمقراطية في غابة من الجهل والديكتاتورية (لعل وصف "الصحراء" أكثر دقة من وصف الغابة) وأنها منارة التقدم في بحر مظلم من الجهل العربي. فها قد جاءت ثورات العرب وتضحياتهم من أجل الحرية والديمقراطية لتلجم أجهزة الإعلام الصهيونية وتخرس أبواقها العميلة.
ورغم أن عقودا من الظلم والتمييز والإرهاب الصهيونيين كانوا كفيلين بدحض هذه الفرضية المزعومة إلا أن الله قيض لأمة العرب أن تنهض فتثبت عكس ذاك الزعم بنفسها. فلا "اسرائيل" واحة ديمقراطية (وهي التي دعمت الديكتاتوريات أدهرا مديدة)، ولا العرب عادوا يرزحون تحت حكم المستبدين. وليس أدل على وعي العرب من خروجهم إلى الشوارع والميادين آلافا مؤلفة يوما بعد يوم حتى بزغ في مصر وتونس فجر جديد، وما زالت دول عربية أخرى بانتظار الصبح.
هم على موعد مع الصبح إذن، فنسأل الله لهم الثبات، ولم يبق مثل الذي فات، فالصبح وربي قريب!