Saturday, May 21, 2011

يقظة العرب وسقوط المزاعم

استيقظ العرب أخيرا من غفلتهم، فصنعوا ثورتهم، وصنعوا التاريخ بأيديهم بعد أن كان يصنع لهم في مراكز الدراسات الأمريكية ومطابخ صنع القرار الصهيونية. نهض العرب ونفضوا غبارا من الذل تراكم على رؤوسهم عبر أزمنة طويلة. استيقظ العرب ونهضوا وقالوا كلمتهم بعد كبت طويل.
"الشعب يريد إسقاط النظام"، صيحة وحدت الجموع في القاهرة وتونس، وصنعاء وطرابلس.. لم يأبه الهاتفون حينما أعلوا أصواتهم بشكل نظامهم السياسي، ولا أظنهم يأبهون بشكل النظام القادم، رئاسيا كان أم برلمانيا. كل همهم كان منصبا على اجتثاث شجرة النظام الخبيثة، نظام التبعية والاستبداد، والظلم والفساد، فالمهم الجوهر، أما الشكل، فكل أمر بعد الحرية يهون.
رأى العالم ورأينا، شبابا ثائرا يكذب الكثير من الدعاوى والمزاعم المعادية. فكم سمعنا زاعمين يزعمون أن "العرب ليسوا أهلا للديمقراطية"، أو أن "العرب قطيع من التابعين"، أو أن "العرب يغرقون في ظلام الجهل والفساد بينما "اسرائيل" منارة للديمقراطية والتقدم". مزاعم كانت ترددها أجهزة الإعلام الصهيونية (والمتصهينة) وتشن بها الحملات تلو الحملات. حتى أتى أمر الله فثارت الملايين من المحيط إلى الخليج.
نهض العرب فتداعت المزاعم، وتساقطت الفرية تلو الأخرى.
كثيرا ما سمعنا محللين غربيين يجزمون بأن العرب ليسوا مستعدين للديمقراطية أو أنهم غير مؤهلين لتطبيقها. وما أكثر الأمثلة التي كانت تستحضر لإثبات هذه الفرضية. فمن مستدل بوضع العراق بعد "فرض الديمقراطية" عليه (يقصدون بعد تدميره باسم الديمقراطية) ومن مستدل بمظاهر الفساد السياسي والاجتماعي والاقتصادي المستشرية في الدول العربية إلى مستشهد برضى طبقات كثيرة من الأمة بتلك الأحوال. كل تلك الأمثلة والمشاهد كانت تساق لإثبات أن العرب غير مؤهلين لنيل الديمقراطية (أو باختصار لا يستحقونها!).
وها هم ملايين الشباب الذين اعتصموا في "ميادين التحرير" يثبتون فشل هذه النظرية ويفضحون من كان خلفها من حكام ظلمة ونظام عالمي متآمر. فدماء التونسيين والمصريين التي سالت في سبيل الحرية، ودماء الليبيين واليمنيين التي ما زالت تسيل، تدحض كل تلك الدعاوى وتسقط الفلسفة العنصرية الاستكبارية التي قامت على أساسها مثل تلك المزاعم.
وهنا زعم آخر أجهضته ثورات العرب ونهضتهم، يتمثل في المثل الذي طال رواجه قديما أن "جوع كلبك يتبعك". وما أظن مثل هذا الحال كان ممكننا لولا الفلسفة التي انتهجها حكام الأمة الظلمة حينما ظنوا أن شعوبهم قطعان من الكلاب. لم تفلح "سياسة التجويع" في تغيير معدن الأمة الأصيل، فأثبتت تلك الشعوب أنها أمة أسود. ولعل تجويع الحكام لتلك الأسود ردحا من الزمن هو ما خلط الأمر على الحكام فظنوا أن شعوبهم أضحت كلابا. ولكن شعوبا تجري في شرايينها بقايا من روح العز بن عبد السلام (مصري) وأسد بن الفرات (تونسي) لا يمكن إلجامها وتقييدها وتجويعها أبد الدهر. فجاءت الساعة التي تزأر فيها الأسود العربية بحول الله وقدرته، فأبطلت السحر وردته على الساحر وعادت الأسود أسودا وفر من كان يسومها سوء العذاب.
ولعل زمرة حكامنا الظلمة لم يقرؤو التاريخ قط (لعلهم لا يجيدون القراءة أصلا) ولم يمروا على صيحة أحد الشعراء العرب قبل ألف عام:
نعاطي الملوك السلم ما قصدوا بنا              وليس علينا قتلهم بمحرم
ولربما مر عليه بن علي ومبارك متاخرين فآثروا النكوص على عقبيهما والنجاة بأرواحهما، بينما جهله صاحب "الكتاب الأخضر" فآثر الاستمرار حتى النهاية (القتل بلا شك).
وزعم آخر بددته نهضة العرب، هو أن "اسرائيل" واحة من الديمقراطية في غابة من الجهل والديكتاتورية (لعل وصف "الصحراء" أكثر دقة من وصف الغابة) وأنها منارة التقدم في بحر مظلم من الجهل العربي. فها قد جاءت ثورات العرب وتضحياتهم من أجل الحرية والديمقراطية لتلجم أجهزة الإعلام الصهيونية وتخرس أبواقها العميلة.
ورغم أن عقودا من الظلم والتمييز والإرهاب الصهيونيين كانوا كفيلين بدحض هذه الفرضية المزعومة إلا أن الله قيض لأمة العرب أن تنهض فتثبت عكس ذاك الزعم بنفسها. فلا "اسرائيل" واحة ديمقراطية (وهي التي دعمت الديكتاتوريات أدهرا مديدة)، ولا العرب عادوا يرزحون تحت حكم المستبدين. وليس أدل على وعي العرب من خروجهم إلى الشوارع والميادين آلافا مؤلفة يوما بعد يوم حتى بزغ في مصر وتونس فجر جديد، وما زالت دول عربية أخرى بانتظار الصبح.
هم على موعد مع الصبح إذن، فنسأل الله لهم الثبات، ولم يبق مثل الذي فات، فالصبح وربي قريب!

No comments:

Post a Comment