كتبه مسلم
كثر الحديث مؤخرا عن فتنة الحوثيين المتصاعدة في صعدة وما حولها. وأكثرت بعض وسائل الاعلام من تناقل الانباء حول دخول الجيش السعودي على الخط، وضربه لمعاقل "المتمردين" بالطيران.
ولئن كان الضوء مركزا على أطراف النزاع والجهات "الخفية" الداعمة للتمرد، فإن هذا المقال ينقل بقعة الضوء إلى أمور أخرى أغفلها الكثيرون عمدا أو عن غير قصد! فهل فشل حكوماتنا في حل الأزمة هو فشل لنا كعرب؟ ولماذا ينجح غيرنا فيما هو أعقد ونفشل نحن؟؟
(1)
أثبتت الضربات السعودية الأخيرة لمعاقل "المتمردين" أن الترسانة السعودية قادرة على صد أي عدوان. ولكن هل من الدقة أن نقول "أي عدوان"؟؟
فقبل أقل من عام، كانت غزة تئن تحت وطأة العدوان الصهيوني الغاشم. يومذاك، هدمت مساجد "أهل السنة" و أحرقت مستشفيات "أهل السنة" وانتهكت حرمات "أهل السنة". كل هذا جرى في غزة هاشم، الأرض التي تسمت باسم جد إمام السنة النبي محمد عليه الصلاة والسلام. فلئن كانت السعودية حامية لحمى السنة كما يدعي البعض، فأين كانت من عدوان ألد الناس عداوة للذين آمنوا على غزة؟؟ إنه حقا لأمر عجاب!
(2)
منذ اندلعت الأحداث الأخيرة، بدأت أصابع الاتهام تتجه إلى ايران وإلى دورها في تغذية المد الشيعي في المنطقة، ومذ ذاك الحين ما فتئت أبواق الإعلام العربية الرسمية تسعر نيران الحرب على "المتمردين". ولئن كانت الأنظمة العربية وأبواقها الاعلامية قد نجحت إلى حد ما في تشخيص أصل الفتنة المتمثل في أطماع ايران الصفوية، فإن العلاج شطّ بل وبالغ في الشطط!
فمن يقصف الآن مسلمون وإن كانوا شيعة، ومن ينزح عن دياره الآن مسلمون أيضا. وكثير من اولئك المقصوفين لا يدري ما الحوثيون وما أطماعهم. بل إن كثيرا من أهل صعدة قد لا يعلم أين تقع ايران على الخريطة ولا من يتزعمها!
إن الأنظمة العربية تتسابق اليوم لدعم السعودية لأن السعودية ومصر قد نجحتا في تخويف العرب من ايران، وهذا ما كانت تريده اسرائيل . وبدل أن يتنبه العرب لقوة ايران ومشروعها الصفوي الناهض فيعدوا العدة و يطلقوا مشروعهم العربي الاسلامي، فها هم بدأوا يلجأوون لردود الأفعال. فهم يستنكرون أفعال الحوثيين، لا لأنها تشكل خطرا على أمة العرب أو مشروعها العربي، ولكن لأن السعودية ومصر قالوا لهم ان الحوثيين تبع لايران!
فبأي منطق يمكن أن نفسر تسابق الأنظمة العربية لدعم التوجه السعودي في قمع التمرد وتباطئهم يوم حرب غزة؟؟ ألم تنتظر الانظمة آنذاكك أياما طوالا حتى بدأت بشجبها واستنكارها؟ فما بالها اليوم لا تشجب التمرد فحسب، بل وتبدي استعدادها للتدخل حين اللزوم؟
وأين كانت هذه الأنظمة من ذبح أهل السنة على مرأى العالم ومسمعه في العراق إبان انفلات الميليشيات الصفوية في بغداد وما حولها؟؟ هي استفاقة من الأنظمة ربما، ولكنها جاءت متأخرة ولست أظنهم أفاقوا!
ولكن، حتى لو افترضنا أنهم استفاقوا، فهل ما جرى هو الحل؟؟ هل قصف "المتمردين" المسلمين قبل محاورتهم هو الحل؟ ألا تدرك السعودية أن أولى الخطوات حين الاختلاف هي الحوار؟ الله عز وجل يقول: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فاصلحوا بينهما، فإن بغت احداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله). فلماذا فشلت السعودية في حوارهم؟ ولئن افترضنا أن حوارا معهم دار في السر، فقد حان الوقت لاطلاع أمة العرب والاسلام على ثنايا ذاك الحوار. فأمن بلاد الحرمين قضية الأمة كلها، لا بني سعود فحسب!
إننا حتى هذه اللحظة، لم نسمع تفصيلا وافيا من اولئك المتمردين لمطالبهم. لعل أهم الأسباب التي دفعتهم لفعلتهم بغي الحكومة اليمنية عليهم فيعالج الأمر حينذاك بإصلاح حكومة اليمن. أو لعل الدافع كان تحريض ايران لهم، فإن كان الأمر هو ذاك، فعلاجه مع ايران لا معهم. أو لعل تمردهم يرجع لكلا السببين مجتمعين، فحينئذ لا تجدي الحرب وحدها، بل هناك حلول وحلول.
(3)
قبل فترة ليست بالقصيرة، نجحت تركيا السنية في إخماد ثورة الأكراد فيها ولو بشكل جزئي، وكلنا يعرف مطالب الأكراد وأشواقهم للانفصال، كل هذا لم يمنع تركيا من اقناع كثير منهم بوضع السلاح. فلماذا نجحت تركيا مع من هو أشد تمردا من الحوثيين وأقوى شوكة؟؟ وفشل العرب مع أبناء جلدتهم في صعدة؟ اننا حين ننظر إلى فشلنا كعرب في تسوية مثل هذا النزاع الداخلي ثم ننظر إلى جارتنا تركيا تنجح في تسوية صراع أعقد، إننا حينئذ ندرك وبشكل قاطع، أن الأزمة هي في ساستنا المسيطرين على مقاليد الحكم في بلادنا ولا شيء سواهم. فحكومة تركيا، حكومة منتخبة تعبر عن نبض جلّ الشارع التركي، أما حكوماتنا سواء في شبه الجزيرة أو في اليمن أو غيرها فهي حكومات مستبدة قمعية وارثة مورّثة، أو انتخبت بالتزوير وما زالت تنتخب بنفس الأسلوب ولا أظن أحدا يدعي أنها تعبر عن نبض أو عن شارع.
هنا تكمن نقطة ضعفنا كعرب! لا مشروع لنا فنحميه وننشأه، ولا حكومة منتخبة فترعاه و تكلأه. فيا هؤلاء الساسة الممسكين المستمسكين بمقاليد حكم بلادنا بدون توكيل أو تخويل، هلاّ رحلتم عنا فتنتهي كل النزاعات وتهدأ نيران الفتن؟؟ وإن لم ترحلوا، ولن ترحلوا، فهلا ادخرتم سلاحكم (الذي اشتريتموه بأقوات أطفالنا) ليوم يعود فيه العدو الصهيوني لغزة؟ وأعطوا أزمة صعدة قسطا من الحوار.
No comments:
Post a Comment