كتبه مسلم عام 2005
كتبت هذا المقال قبل أكثر من أربعة أعوام.. ولم يكن عباس قد فعل فعاله بعد.. ولم تكن انتفاضة الأقصى قد هدأت بعد.. واليوم، وبعد كل تلك السنين، يعود نفس الأشخاص، لطرح نفس الطروح، ولكن بوقاحة أشد... وأني لأكاد أجزم أن في هذا المقال معان لم تختلف مع مضي السنين:
انتفاضة الأقصى... هل تهزم بفوز أبي مازن؟
كان الاحتلال... فكانت المقاومة ثم الانتفاضة، سُنّةٌ راسخة في جنبات التاريخ، يسعى البعض جاهداً لتغييرها، فهل يكون له ذلك؟إن ما يدور في الأراضي الفلسطينية المحتلة هذه الأيام حول ما يسمى بـ"الانتخابات الرئاسية الفلسطينية" والتي تقاطعها غالب التنظيمات والقوى الفاعلة على الساحة الفلسطينية يحمل أبعادا أعمق مما يبدو عليه من مجرد انتخابات عادية. فمن بين حشايا هذه المعمعة يطل علينا محمود عباس "أبو مازن" بزيه الفتحاوي المتآكل، ساعيا لمواصلة درب سلفه الراحل عرفات، واعدا بتطبيق برنامج إصلاحي في أركان السلطة التي استشرى فيها الفساد، و بالوقت نفسه يصرح ويلمح إلى وقف أشكال المقاومة المسلحة أو كما يسميها هو عسكرة الانتفاضة. فهل يرمي عباس بتصريحاته المتتالية إلى وقف الانتفاضة؟ وهل بمقدوره حقا وقفها؟
بداية، إن الانتفاضة لم تبدأ بإذن من أحد حتى تنتهي بأمره، ثم إن المقاومة الفلسطينية لم تنحى المنحى العسكري إلا عندما لم تتورع إسرائيل عن استخدام القوة العسكرية لردع المظاهرات السلمية وقتلت من قتلت دون رقيب أو حسيب. فهل من العدل بمكان أن يُطالَبَ الفلسطينيون بوقف ما لم يبدأوه؟ ثم إن تصريحات عباس تحتمل أحد معنيين كلاهما نذير شؤم على الفلسطينين ومقاومتهم؛ أولهما: أن يكون عباس جاهلا للدور الايجابي للمقاومة المسلحة وغير مقدر لفاعليتها على أرض الصراع، وآخَرهما: أن يكون مدركا لخطرها على"أبناء العمومة" الإسرائيليين، وساعيا لاستئصال شأفتها قبلما تزداد بأسا وشأنا.
وللإجابة عن السؤال الثاني فدعونا نتأمل في نتائج الاتخابات البلدية الفلسطينية والتي شاركت فيها جلُّ التنظيمات الفلسطينية ذات الشأن. فلقد وجهت النتائج صفعة قوية لكل من يستهين بثقل الخيار المقاوم. فحماس التي يحاول عباس تجاوزها قد حازت نصيب الأسد، حيث فازت بثلاثة عشر مجلسا بلديا من أصل ستة وعشرين، بينما حازت فتح -والتي يتزعمها عباس- على عشرة مجالس فقط، فالشعب الفلسطيني بدوره منح ثقة شبه مطلقة للتيار المقاوم والذي ترتاده حماس.
وحماس بدورها وعبر تصريحات أبرز قادتها –والذين دفع بعضهم دمه ثمنا لها- فإنها تؤمن بحتمية الخيار العسكري كوسيلة التحرر الأنسب في هذه المرحلة. فزعيمها الراحل الدكتور عبد العزيز الرنتيسي وقبله سلفه المؤسس الشيخ أحمد ياسين أكّدا وبحزم استحالة تخلي الحركة عن السلاح الذي تدافع به عن أبناء الشعب الفلسطيني. ولطالما أكدت الحركة أن هذا السلاح لم ولن يشهر إلا في وجه الإحتلال مهما تكن الظروف.
وبالعودة إلى مربع الحوار الأول، فلماذا يحاول عباس تقديم خدمة لم يتجرأ سلفه عرفات على تقديمها للإحتلال؟ وهل حقا يظن الرجل بأن الأمر لا يعدو مسألة انتفاضة عفوية سرعان ما تخبو جذوتها وتزول وطأتها؟
إن مثل هذا الفرض يعني قصورا فكريا لدى سياسي مخضرم مثل عباس. فانتفاضة الأقصى لم تكن خلقا من عدم! وإنما هي حيٌّ بُعث بعد طول رقاد، هذا الرقاد التي تزاحمت فيه أحلام أوسلو ومدريد وطابا وغيرها الكثير من "أضغاث الأحلام". وانتفاضة شعب بأسره أكبر من أن يمرّ عليها العابثون مَرَّ "الكرام"، فكلنا يعلم أن انتفاضة الأقصى بدأت من حيث وضعت الانتفاضات الأخرى أوزارها، وبذور الصراع مغروسة في رحم التراب الفلسطيني المسلم، تتحين الفرصة السانحة للنمو و الظهور.
ولنفرض جدلا أن رحى هذه الانتفاضة توقفت حينا من الدهر، وأنّ الفلسطينيين آبوا ونكصوا على أعقابهم لخوض غمار "السلام"، فهل يلزم من ذلك نهاية هذا الصراع؟!
إن وأد الانتفاضة على يدي ذا أو ذاك لا يعني بالضرورة ضعف الفلسطينيين عن تفجير انتفاضات أخريات. وفي حقيقة الأمر فإن الانتفاضة ليست هي المغزى الفعلي للشعب الفلسطيني وتحديدا المقاومة، وإنما هي وسيلة أثبتت فاعليتها وقدرتها الفائقة على تحقيق المنجزات والمكاسب، وفرضت نفسها واقعا مشهودا ورقما صعبا في المعادلات الدولية والاقليمية. فهل يتذاكى البعض بسعيهم لوقف الانتفاضة؟
لقد أصبح لدى أبناء هذا الشعب إدراك واع ومتبصر لحقيقة ما يحاك حوله في الظلام، ولقد غدا الطفل قبل الشيخ مؤمنا بأن هذه المعركة معركة عقيدة وهذا الصراع صراع وجود، فإما أن يحق الحق وإما أن يحدث الله بعد ذلك أمرا!.
No comments:
Post a Comment